الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

490

انوار الأصول

الواجب المضيّق ، فقد يقال ، أنّه لا إشكال في أنّ زمان الانبعاث متأخّر عن زمان البعث ولو آناً ما ، فلو فرضنا أنّه بمجرّد طلوع الفجر مثلًا وقع الإيجاب في لحظة بعد الطلوع ، وأنّ إرادة المكلّف وعزمه على الفعل أيضاً يحتاج إلى لحظة من الزمان فلا أقلّ من أن يتأخّر الانبعاث عن البعث بمقدار لحظتين من الزمان ، ولازمه خروج كلّ واجب مضيّق عن كونه مضيّقاً ودخوله في الواجب الموسّع ، وأن يكون كلّ واجب موقّت موسّعاً . ولكنّه إشكال واهٍ وضعيف غاية الضعف ، حيث إنّ المفروض أنّ القضايا الشرعيّة قضايا شرطيّة حقيقة صدرت من جانب الشارع قبل مجيء زمان الواجب بل قبل تولّد هذا المكلّف ، وأنّ المكلّف يطلع عليها قبل دخول الوقت ، فهو يعلم مثلًا أنّ وجوب الصّيام يصير فعليّاً بالنسبة إليه بمجرّد طلوع الفجر ، وأنّ عليه أن يمسك عن الأكل والشرب من أوّل طلوع الفجر ( كما ورد في قوله تعالى : « كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » « 1 » ) فهو يريد الامساك ويعزم عليه لحظات قبل الطلوع من باب المقدّمة العلمية ، وعليه يكون زمان البعث منطبقاً على زمان الانبعاث كما لا يخفى . واستشكل في الواجب الموسّع بأنّ لازمه جواز ترك الواجب في زمان وجوبه وهذا ينافي معنى الوجوب . والجواب عنه أيضاً واضح : لأنّ متعلّق الواجب إنّما هو طبيعة الصّلاة الواقعة بين الحدّين من الزمان ، وليس المتعلّق أفرادها الطوليّة كما لا يكون المتعلّق أفرادها العرضية كإتيانها في المسجد أو في الدار ، وبعبارة أخرى : الساعات الواقعة بين الحدّين إنّما هي بمنزلة الأفراد والمصاديق لتلك الطبيعة التي يكون المكلّف مخيّراً بينها تخييراً عقليّاً ، ولا إشكال في أنّ اختيار المكلّف فرداً من أفراد الواجب التخييري أي طرفاً من أطرافه لا يستلزم تركه للواجب بل يتحقّق ترك الواجب بترك جميع الأفراد والابدال . هل القضاء تابع للأداء ، أو بأمر جديد ؟ ثمّ إنّ هاهنا بحثاً معروفاً قديماً وحديثاً ، وهو أنّه هل يجب القضاء بمجرّد ترك الواجب في

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 187 .